مجمع البحوث الاسلامية

257

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المعاني المقصودة إلى الذّهن على أجلى وجه يريده المتكلّم ، وأحسن تأثير يقصده . ومثل هذا التّعبير لا يزال مألوفا عند أهل العربيّة على فساد ألسنتهم في اللّغة ، يقولون : ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك ولكنّ الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب . فالكلام مفهوم بدون أن نقول : إنّ معناه : ولكن ذا الكرم من يعطي ، أو لكنّ الكرم عطاء من يعطي . وإنّما نحن في حاجة إلى بيان النّكتة في اختيار ذلك على قول : ولكنّ البرّ هو الإيمان باللّه إلخ . وهذه النّكتة مفهومة من العبارة فإنّها تمثّل لك المعنى في نفس الموصوف به ، فتفيدك أنّ ( البرّ ) هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتّحادهما ، وتلبّس المؤمن البارّ بهما معا ، من حيث إنّ الإيمان باعث على الأعمال ، وهي منبعثة عنه وأثر له تستمدّ منه وتمدّه وتغذّيه ، أي إنّها تمثّل لك المعنى في الشّخص ، أو الشّخص عاملا بالبرّ ، وهذا أبلغ في النّفس هنا من إسناد المعنى إلى المعنى ، ومن إسناد الذّات إلى الذّات ، كما هو مذوق ومفهوم . ابتدأ بذكر الإيمان باللّه واليوم الآخر ، لأنّه أساس كلّ برّ ، ومبدأ كلّ خير ، ولا يكون الإيمان أصلا للبرّ إلّا إذا كان متمكّنا من النّفس بالبرهان ، مصحوبا بالخضوع والإذعان . ( 2 : 109 ) الطّباطبائيّ : البرّ بالكسر : التّوسّع ، من الخير والإحسان ، والبرّ بالفتح : صفة مشبّهة منه . قوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عدل عن تعريف البرّ بالكسر إلى تعريف البرّ بالفتح ، ليكون بيانا وتعريفا للرّجال مع تضمّنه لشرح وصفهم ، وإيماء إلى أنّه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق ولا فضل فيه . وهذا دأب القرآن في جميع بياناته ، فإنّه يبيّن المقامات ويشرح الأحوال بتعريف رجالها ، من غير أن يقنع ببيان المفهوم فحسب . وبالجملة قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ تعريف للأبرار وبيان لحقيقة حالهم ، وقد عرّفهم أوّلا في جميع المراتب الثّلاث من الاعتقاد والأعمال والأخلاق ، بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وثانيا بقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وثالثا بقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . [ إلى أن قال : ] والّذي بيّنه تعالى في هذه الآية من أوصاف الأبرار هي الّتي ذكرها في غيرها ، قال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ - إلى أن قال - وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً الدّهر : 5 - 12 ، فقد ذكر فيها الإيمان باللّه واليوم الآخر والإنفاق لوجه اللّه والوفاء بالعهد والصّبر . وقال تعالى أيضا : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ - إلى أن قال - يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - إلى أن قال - عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ المطفّفين : 18 - 28 . بالتّطبيق بين هذه الآيات والآيات السّابقة عليها يظهر حقيقة وصفهم ومآل أمرهم إذا تدبّرت فيها ، وقد